حقوق الإنسان والتنوع البيولوجي.. الأمم المتحدة ترسم معالم "نهج قائم على الكرامة" لحماية الكوكب
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
تتصاعد التحذيرات الدولية من أن فقدان التنوع البيولوجي لم يعد مجرد قضية بيئية، بل تحوَّل إلى أزمة تمس جوهر حقوق الإنسان، من الحق في الحياة والصحة والغذاء والمياه، إلى الحق في بيئة نظيفة وآمنة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يستعد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لبحث دراسة تحليلية عالمية رائدة تتناول سبل تنفيذ نهج قائم على حقوق الإنسان ضمن أهداف إطار عمل "كونمينغ–مونتريال" العالمي للتنوع البيولوجي، وذلك خلال دورته الحادية والستين المقرر عقدها في جنيف بين 23 فبراير و31 مارس المقبل.
الدراسة، الصادرة عملاً بقرار المجلس رقم 28/57، تسلّط الضوء على الترابط العميق بين حماية النظم البيئية وصون كرامة الإنسان، مؤكدة أن التدهور البيئي المتسارع وفقدان الأنواع الطبيعية لا يهددان الطبيعة فحسب، بل يقوضان أيضاً أسس العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي وحقوق الأجيال القادمة.
وتحذر الوثيقة من أن استمرار الاستنزاف غير المستدام للموارد الطبيعية يشكل تهديداً وجودياً يتطلب استجابة دولية موحدة، تدمج بين السياسات البيئية والالتزامات الحقوقية، وتضع الإنسان واحتياجاته الأساسية في قلب خطط حماية الكوكب.
ويحلل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في هذه الدراسة المعمقة، كيف يمكن للقانون الدولي لحقوق الإنسان أن يوجه تنفيذ غايات إطار عمل كونمينغ-مونتريال، مشدداً على أن النجاح في وقف فقدان التنوع البيولوجي يعتمد بشكل جوهري على احترام حقوق الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.
ويؤكد المفوض السامي أن اتباع نهج قائم على الحقوق ليس مجرد التزام قانوني، بل هو الطريق الأكثر فاعلية لضمان عدالة التوزيع واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، بعيداً عن الحلول التقنية التي قد تهمش الفئات الأكثر ضعفاً.
خط المواجهة الأول
تستعرض الدراسة التحديات الجسيمة التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان في المسائل البيئية، والذين غالباً ما يجدون أنفسهم في خط المواجهة الأول ضد الاستغلال غير القانوني للموارد.
ويطالب تورك الدول الأعضاء بضرورة توفير بيئة آمنة ومواتية لهؤلاء المدافعين، مع ضمان حقهم في الوصول إلى المعلومات والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتنوع البيولوجي، ومحاسبة المتورطين في أي اعتداءات تطولهم بسبب نشاطهم البيئي السلمي.
وتحدد الوثيقة الأممية مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى إدماج مبادئ حقوق الإنسان في الاستراتيجيات الوطنية للتنوع البيولوجي، مع التركيز على "المساءلة" و"الشفافية".
وتشدد نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف، على أهمية ضمان الحصول على الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للشعوب الأصلية قبل الشروع في أي مشاريع تتعلق بأراضيهم وأقاليمهم، مشيرة إلى أن التقرير يدعو إلى بناء قدرات المسؤولين الحكوميين وتدريبهم على كيفية تطبيق المعايير الحقوقية في سياق الحفاظ على البيئة.
تتناول الدراسة أيضاً ضرورة معالجة "الفجوة التمويلية" وتوجيه الموارد المالية نحو المبادرات التي تعزز العدالة البيئية وتحمي حقوق النساء والشباب.
الاستثمار في الطبيعة
يشير مفوض الأمم المتحدة السامي، إلى أن الاستثمار في الطبيعة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع تعزيز سبل العيش الكريم للمجتمعات التي تعتمد بشكل مباشر على التنوع البيولوجي، محذراً من أن السياسات التي تتجاهل البعد الإنساني قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفاقم من حدة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.
وأبرز المشاركون في إعداد الدراسة أهمية استخدام البيانات الرقمية والتقنيات الحديثة لرصد حالة التنوع البيولوجي، شريطة أن تُحترم خصوصية المجتمعات المحلية.
وتدعو الدراسة الأممية إلى وضع أطر رقابية وطنية ودولية لتقييم أثر السياسات البيئية على حقوق الإنسان بشكل دوري، مع الإحالة إلى قواعد البيانات الرقمية لتغطية أي نقص في المعلومات الميدانية، وضمان استجابة أسرع للانتهاكات البيئية التي قد تؤدي إلى تهجير القسري أو فقدان الهوية الثقافية للمجتمعات المرتبطة بالأرض.
تطبيق نهج حقوقي
خلصت الدراسة إلى التأكيد على أن المنظومة الدولية تمر بمنعطف خطير يتطلب "تغييراً تحويلياً" في كيفية تعاملنا مع الطبيعة.
ويشدد مفوض الأمم المتحدة السامي على أن تطبيق نهج قائم على حقوق الإنسان هو الضمانة الوحيدة لتحويل وعود إطار عمل كونمينغ-مونتريال إلى واقع ملموس، مما يعكس توجهاً أممياً جديداً لربط قضايا المناخ والبيئة بحقوق الإنسان الأساسية، بما يضمن بناء مستقبل يسوده التناغم بين البشر وكوكب الأرض في ظل سيادة القانون والعدالة الدولية.










